البغدادي

88

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وصاحب هذا القيل هو سيبويه ، وهذا نصّه : وأما قول جرير : * لا كالعشيّة زائرا ومزورا * فلا يكون إلّا نصبا ، من قبل « 1 » أنّ العشيّة ليست بالزائر ، وإنما أراد لا أرى كالعشيّة زائرا ، كما تقول ما رأيت كاليوم رجلا ، فكاليوم مثل قولك في اليوم لأنّ الكاف ليست باسم . وفيه معنى التعجّب كما قال تاللّه رجلا ، وسبحان اللّه رجلا ، إنّما أراد تاللّه ما رأيت رجلا وسبحان اللّه ما رأيت رجلا ؛ ولكنّه يترك إظهار الفعل استغناء ، لأنّ المخاطب يعلم أنّ هذا الموضع إنّما يضمر فيه هذا الفعل لكثرة استعمالهم إيّاه انتهى . قال الأعلم : أصله لا أرى زائرا ومزورا كزائر العشيّة ومزورها ، فحذف اختصارا للعلم ، كما قالوا : ما رأيت كاليوم رجلا ، أي : كرجل أراه اليوم . ولا تجيزن « 2 » في هذا رفع الزائر ، لأنّه غير العشيّة ، وليس بمنزلة لا كزيد رجل ، لأنّ زيدا من الرجال انتهى . وقد نقل أبو العباس ثعلب في « أماليه » قاعدة لحذف الفعل مع الظرف الزمانيّ ، قال : حكى الكسائيّ نزلنا المنزل الذي البارحة ، والمنزل الذي آنفا ، والمنزل الذي أمس . فيقولون في كلّ وقت شاهدوه من قرب ، ويحذفون الفعل وحده كأنّهم يقولون : نزلنا المنزل الذي نزلنا أمس ، والذي نزلناه اليوم ؛ اكتفوا بالوقت من الفعل ، إذ « 3 » كان الوقت يدلّ على الفعل وهو قريب . ولا يقولون الذي يوم الخميس ، ولا الذي يوم الجمعة . وكذا يقولون : لا كاليوم رجلا ، ولا كالعشيّة رجلا ، ولا كالسّاعة رجلا ، فيحذفون مع الأوقات التي هم فيها . وأباه الفرّاء مع العلم . وهو جائز وأنشد : * لا كالعشيّة زائرا ومزورا « 4 » *

--> ( 1 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " من قبيل " . وهو تصحيف صوابه من شرح أبيات سيبويه . ( 2 ) في شرح الأعلم : " ولا يحسن " . ( 3 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " إذا " . وهو تصحيف صوابه من مجالس ثعلب ص 321 . ( 4 ) جاء بعده في مجالس ثعلب : " لأني أقول لقيتك العام ولا أقول لقيتك السنة " .